سرت في نفس طريقي، و قطعت الكثير حتى تجاوزت المنتصف، لم ألتفت باحثة عنك، لأنني أدركت أنك أرخيت يديك قصدا، لم أتنازل للحظة واحدة عن أحلامي و حب الحياة، تشبثت بأوراقي أكثر، محرابي هو الملجأ كما عهدتني و لكن بشكل أكبر،الذي تغير هو أنني صرت أخطو بحذر و أنا بين الكثير من الجموع، خشية أن أجد من أحدهم ما وجدت منك، فمشاعري أصبحت المنطقة الخطرة التي أنأى بها عن الجميع؛ و بالأخص من أشباهك الأربعين الذين قابلت بعضا منهم؛ ليس لسوء في أولئك البشر و لكن من سوء ما خلفت من أثر بين نبضات قلبي، كيف هو شعورك إن علمت أنك كنت السبب في ذلك! لا يهم أيّا تكن نظرتك لنفسك، و لكن المهم و الأهم أن لا تخيب ظن من ينظر إليك بعين العشم، لا تتسبب في إنطفاء أمل من غلبته الحياة و رأس ماله ذاك التفاؤل، إياك ثم أرجوك تنحى جانبا إن لم تكن أهلا للمعاني الراقية التي قد لا تفهمها، أخشى عليهم أن يتعثروا و لا يقوى أحد منهم على المقاومة مجددافتكون السبب مرة ثانية و ثالثة و غيرها في حزن قلب لا يقدر على النجاة.

3:27ص

نحن أعينهم التي يقرأون بها

من واقع تجربة أن تكرار المحاولة في أيا كان ينال صاحبه شرف الوصول لا محالة، بدأت القصة مع تلك المرأة التي كانت تشعر بقذى في عينيها من وقت لآخر؛ نتيجة لدخول شعيرات حاجبيها اللذان تقوسا لكبر سنها، أمية لا تعرف القراءة و الكتابة و الكثير من مصطلحاتها، لا تعلم رسم الحرف و لا اسمه!

بدأت عليها علامات كبر السن التي لا مفر لبني آدم منها، غزى الشيب شبابها ففقدت جزء كبير من جدائلها، و ظهرت التجاعيد على ملامحها، تأتيني و تقول لا أعلم لم جفني مترهل! أترين ما أراه! هل صار عيبًا ظاهرًا!! أجهل بم أجيبها! أحاول أن أتدارك الموقف سريعا فأطمئنها ثم تمضي، تقضي ما بين الست ساعات من يومها و قد تزيد و تنقص وهي تمسك القلم القارئ تبدأ من الفاتحة حتى تنتهي إلى الإخلاص، تتبع السور، ثم تسأل ما معنى هذه الكلمة! أحاول أن أقرب لها المعنى فتكمل، تقف فجأة و تقول لا ينطق القلم في هذه الصفحة!

فيكون لأن اسم السورة كان نهاية الصفحة السابقة، آتي إليها و أضع رأس القلم على ذاك المربع فيستجيب و تعجب هي! أقول لها هنا اسم السورة فهذه علامة لها في الجزء كذا من تقسيم القرآن!

لبرهة تحدق بي تريد استيعاب معنى اسم سورة و جزء! و بعد انتهاء كل سورة تسألني أين السورة التالية؟ فأشير لها و هكذا في كل مرة!

تطلب مني أن أتمهل لتضع فواصل تميزها لها و تقول: يا بنتي الذي لا يقرأ أعمى!! تبرر لي تمييز السور بعلامات! فهي في عينها رسومات لا تعلم ترجمتها!

و فجأة و هي في المنتصف تتحدث بلهجة بائسة هل تكفي قراءتي بهذا الشكل؟

يشغلها كثيرا كيف تتقن و هي لا تستطيع!

وفي يوم ما أغلقت القلم و بدأت تضع اصبعها على رأس الآي و تقرأ حتى انتهت من الوجه الثالث من البقرة! وقفت أمامها حبيسة الرد من عجبي!! سعيدة لأجلها و عيناها تظهر عليهما بريق الفرح!

ولعل هذا كان مواساة لها في الوقت الذي تعذر عليها حضور صلاة التراويح لهذا العام في المسجد لِما بُلينا به من غُمة، فكانت أول صلاة لها بتلك الآيات التي حفظتها!

كثير من الآباء و الأمهات لم يحالفهم الحظ في أن يحضوا بمقاعد دراسية! و لكن كان عوضهم أبناءهم، فنحن أعينهم التي يقرأون بها، تأملت حينها كوننا نجيد القراءة نعم و لكن كم منا من يدرك أن سهولة قراءته لكلام الله نعمة حُرم منها الكثير؛ هي أُولى أمنياته!

استشعار النعم يجعلنا ندرك قيمتها مما يبث في النفس شعور رضا و سعادة يخفف علينا وطأة الأزمات، و أن المستحيل البعيد في أعيننا ربما يحتاج منا إصرار فقط ليكون؛ و تقر أعيننا به.

أحلام بنت عمر الشريف

30/8/1441هـ